علي بن أحمد المهائمي

262

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الفصّ اليوسفي فص حكمة نورية « 1 » في كلمة يوسفية أي : ما يتزين به ويكمل العلم اليقيني الباحث عن تنوير الخيال لصحة الكشف الصوري ، ظهر ذلك العلم بزينته وكماله في الحقيقة الجامعة المنسوبة إلى يوسف عليه السّلام إذ كوشف في الصغر في المنام عن حال أمره في الكبر ، ثم كوشف له عن معاني هذه الصور من غير اشتغال بتعلم علم التعبير ، كما قال أبوه : وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ [ يوسف : 6 ] ، وقد أوّل رؤيا الفتيين في السجن ، وقال : ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ [ يوسف : 37 ] ، وقد أوّل رؤيا الملك بعد ما عجز عن تعبيرها أهل زمانه وقالوا : أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ [ يوسف : 44 ] . [ هذه الحكمة النّوريّة انبساط نورها على حضرة الخيال ، وهو أوّل مبادئ الوحي الإلهي في أهل العناية ، تقول - عائشة رضي اللّه عنها : « أوّل ما بدىء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الوحي الرّؤيا الصّادقة » ، فكان لا يرى رؤيا إلّا خرجت مثل فلق الصّبح تقول لا خفاء بها ، وإلى هنا بلغ علمها لا غير ، وكانت المدّة له في ذلك ستّة أشهر ، ثمّ جاءه الملك ، وما علمت أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد قال : « إنّ النّاس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » ، وكلّ ما يرى في حال اليقظة فهو من ذلك القبيل ، وإن اختلفت الأحوال ، فمضى قولها ستّة أشهر ، بل عمره كلّه في الدّنيا بتلك المثابة : إنّما هو منام في منام ] . ثم أشار - رحمه اللّه - إلى وجه تخصيص هذه الحكمة بالنورية مع أن جميع الحكم أنوار الكمال معنى النورية فيها إذ تنكشف بها المعاني بلبسة المحسوسات ، فتتضح غاية الوضوح ويعرف بها ما وراء الصور من المعاني من غير احتياج إلى تعلم علم التعبير ، ولذا لا يقال لكل من رأى رؤيا صادقة أنه أوتي الحكمة النورية . فقال : ( هذه الحكمة النورية ) أي : المذكورة هاهنا دون المشار إليها في قوله : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] وقوله : وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ

--> ( 1 ) اعلم أن النور الحقيقي يدرك به ، وهو لا يدرك ؛ لأنه عين ذات الحق تعالى من حيث تجردها عن النسب والإضافات . . . انظر : [ نقد النصوص 115 ] .